خامساً: ضد امبراطورية الفرس (الساسانيون)

الفرس (باللون البرتقالي) قبل السقوط

الملك أردشير الأول (226 -241) هو مؤسس السلالة الساسانية، وهو سليل صف كهنة الإلهة في أنيهتا في إصطخر، بيرسيس في بداية القرن الثالث كانت تحت حكم بيرسيس بابك بن ساسان أب الملك أردشير الأول، ومن الواضح أن بابك بن ساسان كان أصلا حاكم بلدة صغيرة تسمى كيير ولكن قام بابك بخلع جوسيهر الملك الأخير للبازرنجيدز وقام بابك بن ساسان بتعيين نفسه كحاكم جديد لها.

أمه رودهاج كانت بنت حاكم إقليم بيريس، المؤسس الرمزي للخط كان ساسان بن بابك الكاهن الأعظم لأنيهتا وجد الملك أردشير الأول، جهود بابك بن ساسان في كسب القوة المحلية في ذلك الوقت لم تلفت انتباه الإمبراطور البارثي أرتبانوس الرابع (216 -224) في البداية لأنه كان مشغولا في صراع مع الإمبراطور البارثي فولجاسيس الرابع في بلاد ما بين النهرين .

زاد الصراع بين بابك بن ساسان والبارثيين واستطاع ابن بابك الأكبر سنا شابور توسيع قوتهم بالسيطرة على كل بيرسيس. إن الأحداث اللاحقة مريبة جدا بسبب الطبيعة السطحية للمصادر وهي على أية حال متأكدة موت بابك بن ساسان بعد ذلك حوالي سنة 220م، الملك أردشير الأول مؤسس الدولة الساسانية الذي كان في ذلك الوقت حاكم بارابجيرد دخل في صراع على سلطة ملكه مع أخيه الأكبر شابور، المصادر تخبرنا أن الأخ الأكبر شابور اجتمع مع أخيه في سنة 222 وقتل عندما انهار سقف بناية عليه.

العصر الذهبي الثاني بدأ بعد الملك قباذ الثاني لعرشه، وبدعم من الهيفثليتيس انطلقت حملة الملك قباذالأول ضد الرومان سنة في 502 م واحتل مدينة ثيودوثيوبليس في أرمينيا لأمبراطورية الساسانية، وفي سنة 503 م احتل أميدا (ديار بكر) الواقعة على ضفاف نهر دجلة، وفي سنة 505 م تم غزو بواسطة الهون الغربيين القادمين من القوقاز مما أدى إلى هدنة دفع خلالها الرومان الإعانات المالية للفرس لصيانة التحصينات على القوقاز، وفي سنة 525 م قمع الملك قباذ الأول الثورات في لازيسا واستطاع استرداد جورجيا، واستطاع جيش الملك قباذ الأول هزيمة الجيش البيزنطي بقيادة بيليساريوس المشهور مرتين، مرة في سنة 530 م في معركة نيبيس، والمرة الثانية في سنة 531 م في معركة كالينيكوم، وبالرغم من أن الملك قباذ الأول لم يستطع أن يحرر نفسه من سيطرة الهيفثليتيس إلا أنه نجح في إعادة مقاتلة الرومان بنجاح، أسس الملك قباذ الأول عدة مدن، البعض منها سمى على اسمه، وبدأ بتنظيم النظام الضريبي.

26. أمر التحرك ضد الفرس ونبذة مختصرة ١١هـ

[audio https://dl.dropboxusercontent.com/u/29217639/KA/26.mp3]

27. المثنى رضي الله عنه والتسبب لفتح العراق

[audio https://dl.dropboxusercontent.com/u/29217639/KA/27.mp3]

28. الاستعدادات لمواجهة إمبراطورية الفرس

[audio https://dl.dropboxusercontent.com/u/29217639/KA/28.mp3]
مع انتهاء حروب الردة، بلغ أبا بكر أن المثنى بن حارثة الشيباني ورجال من قومه أغاروا على تخوم فارس حتى بلغ مصب دجلة والفرات، فسأل عنه فأثنى عليه الصحابة. ولم يلبث أن أقبل المثنى على المدينة، طالبا منه أن يستعمله على من أسلم من قومه، فأقر له أبو بكر بذلك.

رأى أبو بكر بأن يمد المثنى بمدد ليتابع غزواته، لذا أمر خالد بأن يجمع جنده في اليمامة، وألا يستكره أحدا منهم، ويتوجه إلى العراق. كما أمر عياض بن غنم بأن يتوجه إلى دومة الجندل ليخضع أهلها، ثم يتوجه إلى الحيرة، وأيهما بلغ الحيرة أولا تكون له القيادة. وجد خالد أن جيشه قد قل عدده، فطلب المدد من الخليفة، فأمده بالقعقاع بن عمرو التميمي. تعجب الناس من هذا المدد، فقال لهم أبو بكر:

«لا يهزم جيش فيه مثل هذا».


29. معركة ذات السلاسل (كاظمة) – رسالة خالد ١٢هـ

[audio https://dl.dropboxusercontent.com/u/29217639/KA/29.mp3]
المتحاربون: الخلفاء الراشدين. ضد؛ الساسانيون
القادة: خالد بن الوليد. ضد؛ هرمز أمير كاظمة
القوى: 20,000 مسلم. ضد؛ 40,000 فارسي
الخسائر: قليلة. مقابل؛ ثقيلة

معركة وقعت في 12 هـ بين المسلمين بقيادة خالد بن الوليد والفرس بقيادة هرمز انتهت بإنتصار المسلمين.

وضع الخليفة أبو بكر «رضي الله عنه» خطة عسكرية هجومية، تجلت فيها عبقرية الصديق الفذة، حيث أمر قائده خالد بن الوليد أن يهجم على العراق من ناحية الجنوب، وفي نفس الوقت أمر قائدا آخر لا يقل خبرة عن خالد بن الوليد وهو عياض بن غنم الفهرى أن يهجم من ناحية الشمال، في شبه كماشة على العدو، ثم قال لهما : من وصل منكما أولا إلى الحيرة واحتلها فهو الأمير على كل الجيوش بالعراق، فأوجد بذلك نوعا من التنافس الشريف والمشروع بين القائدين، يكون الرابح فيه هو الإسلام.

كانت أول مدينة قصدها خالد بن الوليد هي مدينة الأبلة، وكانت ذات أهمية استراتيجية كبيرة، حيث أنها ميناء الفرس الوحيد على الخليج العربي، ومنها تأتى كل الإمدادات للحاميات الفارسية المنتشرة بالعراق، وكانت هذه المدينة تحت قيادة أمير فارسي كبير الرتبة اسمه هرمز، وقد اشتق من اسمه اسم المضيق القائم حاليا عند الخليج العربي، وكان رجلا شريرا متكبرا، شديد البغض للإسلام والمسلمين، وللجنس العربي بأسره، وكان العرب في العراق يكرهونه بشدة، ويضربون به الأمثال فيقولون : «أكفر من هرمز، اخبث من هرمز»، فلما وصل خالد بن الوليد بالجيوش الإسلامية هناك، وكان تعداد هذه الجيوش قد بلغ ثمانية عشر ألفا بعد أن طلب الإمدادات من الخليفة، أرسل برسالة للقائد هرمز تبين حقيقة الجهاد الإسلامي، وفيها أصدق وصف لجند الإسلام، حيث جاء في الرسالة :

«أما بعد فأسلم تسلم، أو اعتقد لنفسك ولقومك الذمة، وأقرر بالجزية، وإلا فلا تلومن إلا نفسك، فلقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة».

30. معركة ذات السلاسل (كاظمة) – العبقرية والإستنزاف

[audio https://dl.dropboxusercontent.com/u/29217639/KA/30.mp3]
خالد بن الوليد (باللون الأحمر) حركة الإستنزاف

هرمز يرفض الرسالة الإسلامية التي تدعوه إلى الإسلام أو الجزية، ويختار بيده مصيره المحتوم، ويرسل إلى كسرى يطلب الإمدادات، وبالفعل يرسل كسرى إمدادات كبيرة جدا، ويجتمع عند هرمز جيش جرار عظيم التسليح، ويبنى هرمز خطته على الهجوم على مدينة كاظمة ظنا منه أن المسلمين سوف يعسكرون هناك، ولكنه يصطدم أمام العقلية العسكرية الفذة للقائد خالد بن الوليد.

قام خالد بن الوليد بما يعرف في العلوم العسكرية الحديثة بحرب استنزاف، ومناورات مرهقة للجيش الفارسي، فقام خالد وجيشه بالتوجه إلى منطقة الحفير، وأقبل هرمز إلى كاظمة فوجدها خالية وأخبره الجواسيس أن المسلمين قد توجهوا إلى الحفير، فتوجه هرمز بسرعة كبيرة جدا إلى الحفير حتى يسبق المسلمين، وبالفعل وصل هناك قبل المسلمين، وقام بالاستعداد للقتال، وحفر خنادق، وعبأ جيشه، ولكن البطل خالد يقرر تغير مسار جيشه ويكر راجعا إلى مدينة الكاظمة، ويعسكر هناك ويستريح الجند قبل القتال.

تصل الأخبار إلى هرمز فيستشيط غضبا، وتتوتر أعصابه جدا، ويتحرك بجيوشه المرهقة المتعبة إلى مدينة الكاظمة ليستعد للصدام مع المسلمين، وكان الفرسأدرى بطبيعة الأرض وجغرافية المكان من المسلمين، فاستطاع هرمز أن يسيطر على منابع الماء بأن جعل نهر الفرات وراء ظهره، حتى يمنع المسلمين منه، وصدق الحق عندما قال: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}. فقد كان سببا لاشتعال حمية المسلمين وحماستهم ضد الكفار، وقال خالد بن الوليد كلمته الشهيرة تحفيزا بها الجند :

«ألا انزلوا وحطوا رحالكم، فلعمر الله ليصيرن الماء لأصبر الفريقين، وأكرم الجندين».

وقبل أن يصطدم هرمز قائد الجيوش الفارسية مع جيوش المسلمين أرسل بصورة الوضع إلى كسرى، الذي قام بدوره بإرسال إمدادات كبيرة يقودها قارن بن قرباس يكون دورها الحفاظ على مدينة الأبلة في حالة هزيمة هرمز أمام المسلمين، لأهمية هذه المدينة.

31. معركة ذات السلاسل (كاظمة) – التعسكر والاستعداد للمواجهة

[audio https://dl.dropboxusercontent.com/u/29217639/KA/31.mp3]
كان هرمز رجلاً متكبراً أهوجاً، لا يستمع إلا لصوت نفسه فقط، حيث رفض الاستماع لنصائح قواده، وأصر على أن يربط الجنود الفُرس أنفسهم بالسلاسل، حتى لا يفروا من أرض المعركة، كناية عن القتال حتى الموت، لذلك فقد سميت المعركة بذات السلاسل.

كان أول وقود المعركة وكما هو معتاد وقتها أيام الحروب أن يخرج القواد للمبارزة، كان أول الوقود عندما خرج القائد الفارسي هرمز لمبارزة القائد المسلم خالد بن الوليد، وكان هرمز كما أسلفنا شديد الكفر والخيانة، فاتفق مع مجموعة من فرسانه على أن يهجموا على خالد ويفتكوا به أثناء المبارزة، وبالفعل خرج المسلم للقاء الكافر، وبدأت المبارزة، ولم يعهد أو يعلم عن خالد بن الوليد أنه هزم قط في مبارزة طوال حياته قبل الإسلام وبعده، وقبل أن تقوم مجموعة الغدر بجريمتهم الشريرة فطن أحد أبطال المسلمين الكبار لذلك، وهو البطل المغوار القعقاع بن عمرو، صنو ‹خالد› في البطولة والشجاعة، فخرج من بين الصفوف مسرعاً، وانقض كالأسد الضاري على مجموعة الغدر فقتلهم جميعاً، وفي نفس الوقت أجهز خالد بن الوليد على الخائن هرمز وذبحه كالنعاج، وكان لذلك الأمر وقعاً شديداً في نفوس الفُرس، حيث انفرط عقدهم، وانحل نظامهم لمقتل قائدهم، وولوا الأدبار، وركب المسلمون أكتافهم، وأخذوا بأقفيتهم، وقتلوا منهم أكثر من ثلاثين ألفاً، وغرق الكثير في نهر الفرات، وقتل المربطون بالسلاسل عن بكرة أبيهم، وكانت هزيمة مدوية على قوى الكفر وعباد النار، وفر باقي الجيش لا يلوى على شيء.

  32. معركة ذات السلاسل (كاظمة) – وبدأ القتال

[audio https://dl.dropboxusercontent.com/u/29217639/KA/32.mp3]
سلاسل الموت:
لم تنته فصول المعركة عند هذا الحد، فمدينة الأبلة لم تفتح بعد، وهناك جيوش قوية ترابط بها للدفاع عنها حال هزيمة جيوش ‹هرمز› وقد كانت، ووصلت فلول المنهزمين من جيش ‹هرمز› وهى في حالة يرثى لها من هول الهزيمة، والقلوب فزعة ووجلة، وانضمت هذه الفلول إلى جيش ‹قارن بن قرباس› المكلف بحماية مدينة ‹الأبلة»، وأخبروه بصورة الأمر فامتلأ قلبه هو الآخر فزعاً ورعباً من لقاء المسلمين، وأصر على الخروج من المدينة للقاء المسلمين خارجها، وذلك عند منطقة المذار، وإنما اختار تلك المنطقة تحديداً لأنها كانت على ضفاف نهر الفرات، وكان قد أعد أسطولاً من السفن استعداداً للهرب لو كانت الدائرة عليه، وكانت فلول المنهزمين من جيش هرمز ترى أفضلية البقاء داخل المدينة والتحصن بها، وذلك من شدة فزعهم من لقاء المسلمين في الميدان المفتوح.

كان القائد المحنك خالد بن الوليد يعتمد في حروبه دائماً على سلاح الاستطلاع الذي ينقل أخبار العدو أولاً بأول، وقد نقلت له استخباراته أن ‹الفرس› معسكرون ‹بالمذار›، فأرسل ‹خالد› للخليفة أبو بكر الصديق يعلمه بأنه سوف يتحرك للمذار لضرب المعسكرات الفارسية هناك ليفتح الطريق إلى الأبلة، ثم انطلق ‹خالد› بأقصى سرعة للصدام مع الفُرس، وأرسل بين يديه طليعة من خيرة ‹الفرسان›، يقودهم أسد العراق المثنى بن حارثة، وبالفعل وصل المسلمون بسرعة لا يتوقعها أحد من أعدائهم.

الفطنة العسكرية:
عندما وصل المسلمون إلى منطقة المذار أخذ القائد ‹خالد بن الوليد› يتفحص المعسكر، وأدرك بخبرته العسكرية، وفطنته الفذة أن الفزع يملأ قلوب ‹الفرس›، وذلك عندما رأى السفن راسية على ضفاف النهر، وعندها أمر ‹خالد› المسلمين بالصبر والثبات في القتال، والإقدام بلا رجوع، وكان جيش ‹الفرس› يقدر بثمانين ألفاً، وجيش المسلمين بثمانية عشر ألفاً، وميزان القوى المادي لصالح الفرس.

خرج قائد الفُرس قارن وكان شجاعاً بطلاً، وطلب المبارزة من المسلمين فخرج له رجلان خالد بن الوليد وأعرابي من البادية، لا يعلمه أحد، اسمه ‹معقل بن الأعشى› الملقب ‹بأبيض الركبان› لمبارزته، وسبق الأعرابي ‹خالداً›، وانقض كالصاعقة على ‹قارن› وقتله في الحال، وخرج بعده العديد من أبطال الفرس وقادته فبارز عاصم بن عمرو (أخو القعقاع بن عمرو) القائد الأنوشجان فقتله، وبارز الصحابي ‹عدي بن حاتم› القائد قباذ فقتله في الحال، وأصبح الجيش الفارسي بلا قيادة.

كان من الطبيعي أن ينفرط عقد الجيش الفارسي بعد مصرع قادته، ولكن قلوبهم كانت مشحونة بالحقد والغيظ من المسلمين، فاستماتوا في القتال على حنق وحفيظة، وحاولوا بكل قوتهم صد الهجوم الإسلامي ولكنهم فشلوا في النهاية تحت وطأة الهجوم الكاسح، وانتصر المسلمون انتصاراً مبيناً، وفتحوا مدينة ‹الأبلة›، وبذلك استقر الجنوب العراقي بأيدي المسلمين، وسيطروا على أهم مواني الفُرس على الخليج، وكان هذا الانتصار فاتحة سلسلة طويلة من المعارك الطاحنة بين الفُرس والمسلمين على أرض العراق كان النصر فيها حليفاً للمسلمين في جملتها، وانتهت بسقوط مملكة عباد النار.


  33. معركة النهر (الثني) – سببها واستعداد الفرس

[audio https://dl.dropboxusercontent.com/u/29217639/KA/33.mp3]
وقعت في شهر صفر سنة 12 للهجرة، الموافق عام 633 للميلاد، بين جيش الخلفاء الراشدون بقيادة خالد بن الوليدد والامبراطورية الفارسية.

التاريخ: 12 للهجرة، 633 ميلادي
الموقع: العراق
المتحاربون: الخلفاء الراشدين. ضد؛ الساسانيون و العرب النصارى
القادة: خالد بن الوليد. ضد؛ قارن بن قريانس
القوات: المسلمون 15,000. ضد؛ الكفار أكثر من 50,000
النتيجة: انتصار المسلمون
الخسائر: المسلمون : قليلة. مقابل؛ أكثر من 40,000 من الكفار

  34. معركة النهر (الثني) ١٢هـ

[audio https://dl.dropboxusercontent.com/u/29217639/KA/34.mp3]
وقعت في شهر صفر سنة 12 للهجرة، الموافق عام 633 للميلاد، بين جيش الخلفاء الراشدون بقيادة خالد بن الوليد والامبراطورية الفارسية.

لما وصل خبر انهزام « هرمز » إلى المدائن عاصمة الفرس، أرسل ملكهم « اردشير » جيشاً آخر وأمر عليه قارن بن قريانس. فلما انتهى إلى المذار[3]، انضم إلى الجيش المنهزم ورجعوا ومعهم « قباذ » و « انوشجان » ونزلوا الثنى وهو نهر متفرع من الدجلة والتقوا بالمثنى الذي كان قد توقف عند الثنى، فأحدق الخطر بالمثنى، فوافاه خالد والتقوا في الوقت المناسب، ودارت رحى القتال بينهم وانتهى الأمر بفرار الفرس، وقتل منهم نحو 30،000 الف، سوى من غرق وفر من نجا منهم بالقوارب. وقد كان النهر عائقاً في سبيل اقتفاء أثر العدو، غير أن الغنائم كانت عظيمة، وقتل كل رجل قادر على الحرب، وأسر النساء، وأخذ الجزية من الفلاحين، وصاروا ذمة، وصارت أرضهم لهم، وكان في السبي أبو الحسن البصري وكان نصرانياً وأمر على الجند سعيد بن نعمان وعلى الجزية سويد بن مقرن المزني.

أما قارن بن قريانس أمير جيش الفرس الذي أرسله أردشير لامداد هرمز فقد قتله معقل بن الأعشى بن النباش، وقتل عاصم انوشجان وقتل عدي بن حاتم قباذ، وكان قارن قد تم شرفه ولم يقاتل المسلمون بعده أحداً تم شرفه في الأعاجم. وزاد سهم الفارس يوم الثنى على سهمه في ذات السلاسل.

  35. مابعد معركة النهر (الثني)

[audio https://dl.dropboxusercontent.com/u/29217639/KA/35.mp3]
بعد انتصار المسلمين، قام خالد بتنظيم الولاية ونشر الإسلام وإرسال الجواسيس داخل بلاد الفرس، كسرى تصله أخبار الهزيمة الثانية الغير متوقعة.


  36. معركة الولجة

[audio https://dl.dropboxusercontent.com/u/29217639/KA/36.mp3]
معركة الولجة التي وقعت في بلاد الرافدين في مايو 633 م، بين جيش الخلفاء الراشدين بقيادة خالد بن الوليد والامبراطورية الفارسية وحلفاءها من العرب المسيحيين. في هذه المعركة كانت قوات الفرس ضعف قوات المسلمين، وهزم خالد بن الوليد القوات الفارسية رغم تفوقها العددي بنسخة مطورة من تكتيك الكماشة التي استخدمها حنبعل ضد الرومان في معركة كاناي.

خلفية المعركة:
بعد وفاة النبي محمد خلفه أبو بكر الصديق. في خلال 27 شهر، سحق تمرد القبائل العربية في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية أثناء حروب الردة واستعاد سلطة المدينة في الجزيرة العربية. بمجرد أن أخمدت نار الردة، بدأ أبو بكر الفتوحات الإسلامية وهي حملات ضد الامبراطورية الفارسية والإمبراطورية البيزنطية، وبعد بضعة عقود ستؤدي تلك الحملات إلى قيام واحدة من أكبر الامبراطوريات في التاريخ.

بعد الانتهاء من حروب الردة، أغار المثنى بن حارثة الشيباني ورجال من قومه على تخوم ممتلكات فارس، فبلغ ذلك أبا بكر، فسأل عنه، فقيل له: «هذا رجل غير خامل الذكر، ولا مجهول النسب، ولا ذليل العماد». ولم يلبث المثنى أن قدم على المدينة المنورة، وقال للصديق: «يا خليفة رسول الله استعملني على من أسلم من قومي أقاتل بهم هذه الأعاجم من أهل فارس»، فكتب له الصديق عهدًا. وقرر أبو بكر الصديق توسيع حدود الدولة الإسلامية، بدءً من العراق إحدى أغنى الولايات الفارسية. اعتمد الجيش الذي فتح بلاد فارس أساسًا على المتطوعين للجهاد، تحت إمرة القائد العسكري خالد بن الوليد.

بدأت حرب المسلمين ضد الإمبراطورية الفارسية في نيسان/أبريل 633 م، حيث هزم جيش المسلمين الفرس في معركتين متتاليتين معركة ذات السلاسل ومعركة نهر الدم. كان هدف المسلمين الاستيلاء على مدينة الحيرة. بعد معركة نهر الدم، عاد جيش الخلفاء الراشدين تحت قيادة خالد بن الوليد مرة أخرى للحيرة؛ في الوقت نفسه وصلت أنباء الهزيمة في معركة نهر الدم إلى قطسيفون، فقرروا الاستعانة بالقبائل العربية الموالية لهم من سكان المنطقة.

الجيش الفارسي:
أمر الامبراطور الساساني، أدرشير الثالث بتجهيز جيشين آخرين في نفس يوم معركة نهر الدم، فبدأت القوات الفارسية بالتجمع في العاصمة الامبراطورية. جاءوا من كل المدن والحاميات باستثناء من يحرسون الحدود الغربية مع الامبراطورية الرومانية الشرقية.

في غضون أيام قليلة، كان الجيش الأول مستعدًا، توقع قادة الفرس أن المسلمين سيسيرون مع الفرات إلى الشمال الغربي في العراق، لأنهم يعرفون أن القوات العربية عبر التاريخ لا تتحرك بعيدًا عن الصحراء، والتي تستخدمها للتراجع في حالة الهزيمة. بعد توقع تحرك جيش المسلمين صوب الغرب، اختار أدرشير الثالث الولجة، موقعًا للمعركة التي سيوقف فيها خالد بن الوليد ويدمر جيشه. أول جيوش الامبراطورية الفارسية وصلت إلى قطسيفون، ووضعت تحت قيادة أندرزغار حاكم خراسان. أمر أندرزغار جيشه بالتقدم للولجة، حيث سيلحق به الجيش الثاني قريبًا. انطلق الجيش الأول من قطسيفون، وانتقل على طول الضفة الشرقية من دجلة، عبر دجلة في كاسكار، وانتقل إلى الجنوب الغربي إلى الفرات، بالقرب من الولجة، عبر الفرات وعسكر في الولجة.

جيش المسلمين:
كانت معركة نهر الدم نصرًا هامًا للمسلمين. فمع انخفاض خسائرهم، هزم المسلمون جيشًا فارسيًا كبيرًا، وحصلوا على كمية هائلة من الغنائم. آنذاك بدأ المسلمون يدركون ضخامة موارد الامبراطورية الفارسية؛ لكنهم لم يخوضوا سوى معركتين منفصلتين مع جيشين منفصلين والمسلمون هم الذين اختاروا أرض المعركة وما زالوا على حدود الإمبراطورية، وبإمكان الفرس جمع عدة جيوش ميدانية في آن واحد، كمثل تلك التي خاضت معركتي ذات السلاسل ونهر الدم.

نشر خالد شبكة العملاء من العرب المحليين المعادين للفرس لتخبره بمواقع الفرس. أبلغه العملاء عن وصول جيش فارسي جديد إلى الولجة، وعن ضخامة عدده. لم يكن أمام خالد بد من خوض المعركة للوصول إلى الحيرة. بجيش قوامه حوالي 15,000 رجل، انطلق خالد إلى الولجة.

مناورة خالد:
كانت أعداد كبيرة من الفرس الساسانيين قد فرت من المعارك السابقة، وعادت إلى حمل السلاح مرة أخرى. انضم الناجون من معركة ذات السلاسل إلى قارن بن قاريونس وقاتلوا في معركة نهر الدم، ثم انضم الناجون من معركة نهر الدم إلى أندرزاغار واتجهوا نحو الولجة. واجه المسلمون الجيشان باستراتيجية واحدة وتكتيك واحد:

الاستراتيجية: كان جيشان من الفرس على وشك أن يجمعا للاعتراض للمسلمين. لحل هذه المشكلة، عزم خالد بن الوليد على الهجوم بسرعة، والقضاء على الجيش الأول (جيش اندرزاغار) ثم الجيش الثاني (جيش باهمان) قبل وصوله إلى مكان المعركة.
التكتيك: منع مقاتلي العدو من الهرب من خضم معركة وإعادة تنظيم صفوفهم والعودة لمواصلة القتال. لذلك، قرر خالد إحاطة الجيش الفارسي، والانقضاض عليه من الخلف، وتدمير جيشهم في هذا الوقت، في صورة معدّلة من تكتيك الكماشة.

وقد كان أمر خالد ضرار بن الأزور في ليلة المعركة ان يأخذ جزء من خيالة المسلمين ويلتف حول الهضبة من ميمنة و ميسرة الجيش الفارسي في مسافة طويلة في طريق كان يعرفه العرب غير المسلمين ضد الفرس فلم يكن الاندرزاغر يتوقع هذه الخطة فأطبق المسلمين الكماشة. أعطى خالد توجيهاته إلى سويد بن مقرن لمراقبة وحراسة المعابر التي قد يعبر منها الفرس ويهاجموا من الشمال والشرق، وتنبيهه في حالة وجود قوات جديدة للعدو في تلك الاتجاهات..

موقع المعركة:
كانت أرض المعركة سهل شاسع ممتد بين مرتفعين يمتدان إلى حوالي ميلين وبارتفاع 30 قدمًا. شمال شرقي السهل يتداخل مع صحراء قاحلة، وعلى مقربة من الشمال الشرقي هناك فرع للفرات يسمى بـ»نهر خاسف».

المعركة:
كان اندرزاغار واثق من النصر، حتى إنه لم يزعج نفسه بالانسحاب إلى ضفة النهر، على بعد ميل واحد، ليتمكن من استخدام النهر لحماية جيشه.

في ايار/مايو 633، نشر الجيشان قواتهما لخوض المعركة، ولكل منهما قلب وأجنحة. أجنحة المسلمين كانت بقيادة عاصم بن عمرو وعدي بن حاتم. انتشر الجيش الفارسي في وسط السهل، وكان مواجهًا للشرق وللجنوب الشرقي، وفي الجنوب الغربي كانت وراءه التلال. شكل خالد جيشه أمام تلال الشمال الشرقي، في مقابل الجيش الفارسي. ساحة المعركة، كانت تبعد حوالي ميلين إلى الجنوب الشرقي من عين الموهاري، وعلى بعد 35 ميلاً إلى الجنوب الشرقي تقع النجف و 6 أميال إلى الجنوب الشرقي تقع خش الصنافية. تألفت معظم قوات المسلمين من المشاة، مع عدد قليل من الفرسان.

توقع الفرس أن يكون جيش خالد أكبر بكثير. في الليلة التي سبقت معركة الولجة أرسل خالد اثنين من ضباطه بشر بن أبي رحم وسعيد بن مارا وجعل كل منهما قائدًا على قوة من نحو 2,000 فارس، وأمرهم على النحو التالي:

سوف يأخذ كل منهما فرسانه خلال الليل ويتحرك بسرعة في الجنوب من مخيم الفرس.
عند الوصول إلى الجانب الآخر من سلسلة التلال التي تمتد وراء مخيم الفرس، سيخفيان الرجال ولكن يحتفظان بهم على أهبة الاستعداد للتحرك خلال فترة قصيرة.
عند الصباح ستبدأ المعركة، وسيبقون رجالهم وراء التلال، وسيضعون عددًا من المراقبين لانتظار إشارة خالد.
عندما يعطي خالد إشارته، سيهاجمان القوات الفارسية من المؤخرة، وكل مجموعة ستهاجم جناحًا.

صدرت الأوامر اللازمة من خالد لمن كان يجب أن يعرف هذه الخطة، حتى يتسنى لهم تنظيم وتحضير قوات الضربة دون حدوث أي توقف وبسرية تامة، لدا لم يتم إعلام المقاتلين المسلمين العاديين شيءًا من مناورة تكتيك الكماشة. شكل خالد جيشه بالـ 10,000 المتبقية قبالة الجيش الفارسي الساساني. اعتمدت استراتيجية اندرزاغار قائد الفرس، على الدفاع وترك المسلمين يهاجمون أولاً، ثم بعد أن يمتص هجمتهم، يشرع في هجوم مضاد لهزيمة جيش المسلمين. تمت المرحلة الأولى من المعركة وفق خطة اندرزاغار، حيث أمر خالد الجيش بشن هجوم عام. أبقى قائد الفرس قواتًا احتياطية ليشركها في الوقت المناسب بعد أن يكون قد بلغ بالمسلمين التعب مبلغه، الأمر الذي يتيح له التحكم في المعركة. خلال هذا الوقت، بارز خالد بن الوليد بطل فارسي عملاق يطلق عليه هزار مارد وقتله، فكان هذا نصرًا نفسيًا للمسلمين.

انتهت المرحلة الأولى، وبدأت المرحلة الثانية من المعركة بهجوم مضاد لجيش الفرس. بعد أن شاهد اندرزاغار علامات التعب على الجنود المسلمين، لذا قرر أن هذه هي اللحظة المناسبة للهجوم المضاد لجيش الفرس، فهاجم سلاح الفرسان الفارسي مقدمة جيش المسلمين.

تمكن المسلمون من احتجازهم لبعض الوقت، لكن الفرس زادوا الضغط. فتراجع جيش المسلمين، وتوقف الهجوم حتى إصدار تعليمات أخرى من خالد بن الوليد. أعطى خالد في النهاية الإشارة للمضي قُدمًا. عندئذ، هاجمت فرقتي فرسان المسلمين مؤخرة الجيش الفارسي وجناحيه. ومع مرور الوقت لاحت بوادر الهزيمة على جيش الفرس، فاستأنف مشاة جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد الهجوم على الجبهة الفارسية، واتصلا بفرقتي الفرسان لإحاطة الفرس تمامًا.

انضغط الجيش الفارسي في مساحة قليلة، فعجزوا عن استخدام أسلحتهم بحرية أو تجنب ضربات المهاجمين. فانتهت المعركة، بخسائر فادحة للجيش الفارسي، ولم تتمكن سوى بضعة آلاف من الجنود من الفرار، وفر اندرزاغار نفسه، لكنه فر في اتجاه الصحراء العربية بدلا من الفرات وتوفي في تلك المنطقة عطشًا.

  37. مابعد معركة الولجة

[audio https://dl.dropboxusercontent.com/u/29217639/KA/37.mp3]
بعد المعركة جمع خالد رجاله المجهدين بعد انتصارهم الساحق على الفرس. كانت معركة الولجة أطول وأشرس المعارك التي خاضها المسلمون في العراق، لذلك سعى خالد بن الوليد إلى ضمان أن تبقى معنويات المسلمين مرتفعة.

بعد القضاء على جيش فارسي آخر وحلفاءه العربي المسيحيين في معركة أليس ومعركة الحيرة، عاصمة بلاد الرافدين في أواخر أيار/مايو 633 م، وتلا ذلك معركة الأنبار والنجاح في حصار عين التمر. مع سقوط المدن الرئيسية كلها في جنوب ووسط العراق، باستثناء قطسيفون، أصبح العراق تحت سيطرة المسلمين. في عام 634 م، أمر أبو بكر خالد بن الوليد بالتوجه مددًا لجيوش المسلمين في الشام بنصف جيشه، وترك نصف الآخر تحت قيادة المثنى بن حارثة الشيباني.

شكل الفرس في ظل الامبراطور الجديد يزدجرد الثالث جيشًا جديدًا وهزموا المسلمين في معركة الجسر، وأعادوا ضم العراق. كان الفتح الإسلامي الثاني للعراق تحت قيادة سعد بن أبي وقاص الذي هزم الجيش الفارسي في معركة القادسية في عام 636 م، وفتح قطسيفون. وتبع ذلك كله فتح الإمبراطورية الفارسية كلها.


  38. معركة أليس (نهر الدم) ١٢هـ

[audio https://dl.dropboxusercontent.com/u/29217639/KA/38.mp3]
التاريخ: 12 هـ/ 633 ميلادية
الموقع: العراق قرب نهر الفرات
النتيجة: فوز ساحق وحاسم للمسلمين
المتحاربون: دولة الخلافة الراشدة. ضد؛ الامبراطورية الفارسية الساسانية والعرب المسيحيين
القادة: خالد بن الوليد. ضد؛ جابان وجابر بن بجير وعبد الأسود
القوى: 15000 المسلمون. ضد؛ الكفار 70000
الخسائر: للمسملين حوالي 2000. ؛ أما الكفار فمعظم الجيش (أكثر من 65%)

كان لصدى انتصار المسلمين في معركة الولجة على الفُرس ومن عاونهم من نصارى العرب في العراق أثر بالغ في نفوس نصارى العراق في الولجة؛ خاصة أنه كان بين قتلى الولجة ابني زعيمين كبيرين منهما، وهذان الزعيمان هما ‹جابر بن بجير› و›عبد الأسود العجلي›، وعندما قررا الانتقام لما جرى لهم بالولجة فاجتمعت نصارى عجل وتيم اللات وضبيعة وعرب الضاحية من أهل الحيرة، واستغاثوا بكسرى، وطلبوا منه الإمدادات؛ فانتعشت آمال كسرى، وفرح بكتاب النصارى من ‹أليس› وكتب لقائده الكبير ‹بهمن جاذويه› ـ وكان لا يزال في المنطقة بعد هزيمة الولجة وغلطته العسكرية التي أبعدته وجيشه عن ميدان القتال ـ فأمره كسرى أن ينضم للنصارى في ‹أليس› -وهي إحدى قرى الأنبار على الفرات- للصدام مع جيش المسلمين. ويتوجه ‹بهمن جاذويه› إلى ‹أليس›، وفي الطريق يعود بهمن للمدائن لأمر هام، ويترك قيادة الجيوش للقائد ‹جابان› الذي كان عاملاً محنكًا، ولكن شخصيته ضعيفة.

البداية:
كانت الإمدادات الفارسية أقرب إلى منطقة أليس من جيوش المسلمين، واصطف أمام جنود التحالف الساساني العربي، وصادف وصول خالد وجيشه أن الجيوش الفارسية قد أعدا طعام الغذاء وجلسوا للطعام، وعندها أمرهم القائد العام ‹جابان› بأن يتركوا الطعام ويستعدوا للصدام مع المسلمين، ولكن الغرور والكبر داخلهم؛ لأن تعدادهم كان يفوق المائة والخمسين ألفًا! وخالفوا أمر قائدهم الأعلى، ثم خالفوه مرة أخرى عندما أمرهم بأن يضعوا السم في الطعام؛ فإذا ما انتصر المسلمون وأكلوا من هذا الطعام ماتوا! ولكنهم اغتروا وتكبروا وظنوا أنهم لا يُغلبوا.

المعركة:
عندما رأى خالد بن الوليد وجنوده هذا الغرور والكبر من جنود التحالف، وقف وأمر بحط الأثقال، ثم توجه إليهم وقد وكل من يحمي ظهره من المسلمين، ثم ندر أمام الصف فنادى: ««أين ابن أبجر ؟ أين عبد الأسود؟ أين مالك بن قيس؟»» فلم يردوا عليه إلا مالكا برز له فقتله خالد . فصد الأعاجم عن طعامهم. فنادى الجيش بالهجوم، وبدأ القتال الذي صار ينتقل من حال إلى أشد منه قوة وكذلك صبر الفُرس، طمعًا في وصول القائد بهمن جاذويه بالإمدادات من المدائن، ولقي المسلمون مقاومة عنيفة منهم، وعندها نذر خالد لله فقال: ««اللهم إن لك عليَّ إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقي منهم أحدًا قدرنا عليه حتى أ جري نهرهم بدمائهم!»» وازدادت قوة المسلمين في القتال، خاصة مسلمي بكر بن وائل؛ حيث كانوا أشد الناس على نصارى قبيلتهم، ولم يطل الأمر حتى انتصر المسلمون، فأمر خالد بإمساك الأسرى، وأخذهم عند نهر أليس، وسد عنه الماء، ومكث لمدة يوم وليلة يضرب أعناقهم حتى يجري النهر بدمائهم كما نذر لله، وعندما لم يجر النهر بدمائهم قال القعقاع بن عمرو التميمي لخالد: ««لو أنك قتلت أهل الأرض جميعًا لم تجر دماؤهم! فأرسل الماء على الدماء فيجري النهر بدمائهم»» ففعل خالد ذلك، فسمي النهر يومها بـ ‹نهر الدم›، وقتل يومها أكثر من سبعة آلاف من جنود الفُرس.

رأي القدوة والخليفة أبو بكر الصديق:
وصل الخبر للخليفة أبو بكر، فيقول كلمته الشهيرة: ««يا معشر قريش! عدا أسدكم [يعني خالدًا] على أسدهم [يعني كسرى والفرس] فغلبه على لحمه [أي على فريسته]؛ عقمْنّ النساء أن يلدن مثل خالد!»»

الإنتقادات:
تعرض خالد بن الوليد للانتقاد من قبل بعض المؤرخين يوم نهر الدم، حيث رأوا أن في فعاله بعد المعركة من قتله للأسرى ليجري النهر دمًا وحشية لا تليق بقائد فاتح، بينما رأى آخرون أنها كانت في نطاق استخدامه لأساليب الحرب النفسية، وأنها أثرت أيما أثر في نفوس الفُرس ومن والاهم من العرب.


  39. فتح أمغيشيا ١٢هـ

[audio https://dl.dropboxusercontent.com/u/29217639/KA/39.mp3]
بعد أن فرغ خالد من أليس نهض حتى أتى منطقة تسمى أمغيشيا، وقد جلا عنها أهلُها وتفرقوا في السواد، فأمر بهدمها، وأصاب المسلمون بها ما لم يصيبوا مثله، فقد بلغ سهم الفارس ألفاً وخمسمائة درهم سوى أنفال أهل البلاء، ولما وصلت أخماس الغنائم وأخبار النصر إلى أبي بكر وما صنعه خالد والمسلمون قال:

«يا معشر قريش، عدا أسدكم على الأسد فغلبه على خراذيله، أعجزت النساء أن ينسلن مثل خالد؟»


  40. معركة الحيرة

[audio https://dl.dropboxusercontent.com/u/29217639/KA/40.mp3]
علم مرزبان الحيرة بما صنع خالد بأمغيشيا فأيقن أنه آتيه، فاستعد لذلك وأرسل جيشاً بقيادة ابنه ثم خرج في إثره، وأمر ابنه بسد الفرات ليعطل سفن المسلمين، وفوجئ المسلمون بذلك واغتموا له، ونهض خالد في خيل يقصد ابن المرزبان، فلقي خيلاً من خيله ففاجأهم فأنامهم بالمقر، ثم نهض قبل أن تصل أخباره إلى المرزبان حتى لقي جنداً لابنه على فم الفرات فقاتلهم وهزمهم، وسد الأنهار وسلك الماءُ سبيله، ثم طلب خالد عسكره واتجه إلى الحيرة، وعلم المرزبان بموت ابنه فهاله الأمر فعبر الفرات هارباً من غير قتال، فعسكر خالد مكانه وأهل الحيرة متحصنون، وأدخل خالد الخيل من عسكره، وخطط لمحاصرة قصور الحيرة، فأرسل ضرار بن الأزور الأسدي لمحاصرة القصر الأبيض، وأرسل ضرار بن الخطاب لمحاصرة قصر العدسيين، وأرسل المثنى بن حارثة الشيباني لمحاصرة قصر ابن بقيلة، وعهد خالد إلى أمرائه أن يدعوا القوم إلى الإسلام، فإن أجابوا قبلوا منهم وإن أبوا أجلوهم يوماً، وأمرهم أن لا يمكنوا عدواً منهم بل عليهم أن يناجزوهم ولا يمنعوا المسلمين من قتال عدوهم ففعلوا، واختار القوم المنابذة، وعمدوا لرمي المسلمين بالحصى عن جانب والضرب عن جانب، فرشقهم المسلمون بالنبل، وشنوا غاراتهم، وفتحوا الدور والديارات، فنادى أهل القصور: «يا معشر العرب قبلنا واحدة من ثلاث فكفوا عنا»، وخرج رؤساء القصور فقابلهم خالد، كل أهل قصر على حدة، وتصالحوا مع خالد على الجزية، وصالحوه على مائة وتسعين ألفاً، وبعث خالد بالفتح والهدايا إلى أبي بكر، فقبل الهدايا وعدها لأهل الحيرة من الجزية تعففاً عما لم يأذن به الشرع.

معركة الحيرة : هي معركة وقعت بين المسلمين بقيادة خالد بن الوليد والإمبراطورية الفارسية سنة 12 هـ الموافق 633م وانتهت بانتصار المسلمين.
سار خالد من «أمغيشيا» إلى الحيرة، وحمل الرجال والرحال والأثقال في السفن فخرج مرزبان الحيرة «حاكمها الفارسي» ويدعى زاديه أو آزادبه، وأرسل ابنه لقطع الماء عن السفن، وذلك بسد الفرات فبقيت السفن على الأرض فسار خالد في خيل نحو ابن الأزادبه فلقيه على فم فُرات بادقلي فقتله وقتل أصحابه، غير أن المدينة كانت محصنة بأربعة حصون فأبت التسليم فحصرهم وقاتلهم المسلمون فاقتحموا الدور والديورة وأكثروا القتل فنادى القسيسون والرهبان، يا أهل القصور ما يقتلنا غيركم، فنادى أهل القصور المسلمين، قد قبلنا واحدة من ثلاث: أما الإسلام، أو الجزية، أو المحاربة.
أما زاديه فانه هرب إذ بلغه موت أردشير.
وهذه أسماء قصور الحيرة التي تحصنوا فيها:

  • القصر الأبيض وفيه إياس بن قبيصة، وكان ضرار بن الأزور محاصراً له
  • قصر الغريين وفيه عدي بن عدي، وكان ضرار ابن الخطاب محاصراً له.
  • قصر ابن مازن وفيه ابن أكال، وكان ضرار بن مقرن المزني محاصراً له.
  • قصر ابن بقيلة وفيه عمرو بن عبد المسيح بن بقيلة. وكان المثنى محاصراً له.

خرج هؤلاء الرؤساء الأربعة من قصورهم فأرسلهم المسلمون إلى خالد فكان أول من طلب الصلح، عمرو بن عبد المسيح فصالحوه على 190,000 وأهدوا له الهدايا وبقوا على دينهم. وبعث خالد بالفتح والهدايا إلى ابي بكر مع الهذيل الكاهلي فقبلها أبو بكر من الجزاء، وكتب إلى خالد: أن أحسب لهم هديتهم من الجزاء إلا أن تكون من الجزاء.، وخذ بقية ما عليهم فقو بها أصحابك.

Advertisements